عندما زرت القدس- الجزء الثّالث

by samar on June 27, 2014

نزلت إلى حديقة الفندق لتناول طعام الإفطار واخترت الجلوس تحت عريشة العنب لأتفيّأ بظلّها الذي كان يغطّي معظم أجزاء الحديقة. كان يجلس إلى يميني رجلاً وزوجته يبدو أنّهما من بلد أجنبيّ يتناولان طعام الإفطار ويقرآن كتباً سياحيّة تتحدّث عن مدينة القدس، وكان يجلس إلى يساري رجلاً أجنبيّاً أيضاً منغمساً بالكتابة فتخيّلته صحفيّاً. جائني النّادل وسألني بالإنجليزية ماذا أريد أن أشرب، فنظرت إليه متعجبة وقلت له بالعربيّة أريد شاي بالنعناع الأخضر!

قال لي النّادل بأنّ الإفطار عبارة عن بوفيه مفتوح وأنّه موجود إلى اليمين عند الدّرجات الحجريّة القديمة، فذهبت إلى حيث أشار لي ونزلت الدرجات وأنا خافضة رأسي كيّ لا أضرب السّقف المنخفض ودخلت ما يشبه المغارة فوجدت بوفيه الإفطار الذي احتوى على أصناف أجنبية وأخرى عربية مثل الجبنة والزيتون والزعتر والمربّى وخبز الصّاج وأنواع بيتيّة شهية أخرى لم أستطع مقاومتها.

لم يكن طعم الشّاي أو الزّيتون أو مربّى المشمش والتوت أو الخبز و الجبنة أو الزعتر مع الزيت كطعم أيّ شيء ذقته في حياتي ولا أعتقد أنّ الطّعم كان مختلفاً بسبب اختلاف الأرض مثلاً عمّا اعتدت عليه في أيّ بلد آخر، ما كان مختلفاً هذه المرّة هو المكان، أنا في مدينة القدس التي طالما سمعنا فيروز تتغنّى بها وطالما شاهدنا صورها على التلفاز وفي نشرات الأخبار وكتب التّاريخ فتهيّأ لي بأنّ أيّ شيء آكله وأشربه هنا لا بدّ أن يكون طعمه مختلفاً!

جاء النّادل ليأخذ الحساب وكلّمني بالإنجليزية مرّة أخرى فقلت له ألم تلاحظ يا أيخ أنّني عربيّة بل فلسطينيّة أيضاً؟ فقال لي أعتذر، فقد ظننتك غير فلسطينيّة فنحن لم نعتد أن يزورنا العرب فكما ترين حولك فقط الأجانب هم من يزورون القدس!

خرجت للشّارع هائمة على وجهي دون هدف ولا أدري كيف أخطّط لقضاء يومي في ربوع القدس، وما إن مشيت بضعة خطوات واقتربت من موقف الباص حتّى لاحظت جموعاً من النّاس تمشي بخطى سريعة جداً من كلّ حدب وصوب.

كان المنظر عجيباً وغريباً وكأنّني أشاهد فيلماً خيالياً عن الفضاء الخارجيّ لأنّ جموع الناس كانت تمشي على عجلٍ وكأنّها رجالٌ آلية مبرمجة حيث لا أحد يحادث الآخر فما كان منّي إلّا أن كلّمت الرّجل الذي صحبني يوم أمس في رحلة ليليّة سياحيّة حول مدينة القدس لأسأله عمّا يجري فأجابني: أنت بالقرب من باب العامود واليوم الجمعة، فعودي بسرعة للفندق وأحضري جواز سفرك وملابس الصّلاة واذهبي فستشاهدين منظراً لم تشاهديه في حياتك من قبل.

عدت بسرعة للفندق ثمّ توجّهت لباب العامود الذي عادة ما نراه في نشرات الأخبار وهو مدجّج بجنود إسرائيل ولكنّ الوقت كان لا يزال مبكراً فلم أر العديد منهم. دخلت أسوار القدس العتيقة لأرى محلات على اليمين وعلى الشمال تبيع الخضراوات والفاكهة واللّحوم والبهارات والملابس والخزف والآثار والتّحف وأخرى لتصليح الأحذية ومطاعم حمص وفلافل وأيّ شيء يخطر على بالبال. كان هناك أيضاً سيّدات يفترشن الأرض، واحدة تبيع أشتال النعناع وكأنّها أحضرتها من حديقة منزلها وأخرى تبيع بضع حبات من البصل وثانية تبيع بضع حزمات من الجرجير واكتشفت فيما بعد أنّهن سيّدات جئن من الضّفة للاسترزاق من ضيق الحال وبيع ما زرعنه في منازلهن.

أخرجت كاميرا التّصوير وبدأت أصوّر كلّ ما يقع عليه نظري وكان أصحاب المحلات يقفون خارجاً ويتحدّثون معي بالإنجليزية كي أدخل محلاتهم، فلم أبال بالرّد عليهم حيث لفت نظري الجلّ الذي يغطّي شعرهم وما يرتدونه من بناطيل الجينز الممزقة مثل آخر صرعات الموضة العالمية وتعجّبت أنّها وصلت للقدس. بقيت أصوّر حتّى صرخ في وجهي رجل أمن وقال لي بعربية ركيكة “أوكف أوكف”.

فقلت له وأنا أحاول إخراج جواز سفري كي أثبت ما أقوله بأنّني عربية وأريد الذّهاب للأقصى، فقال لي: “أنت واقفة على المدخل وأعرف أنّك مسلمة ولكنّك لا تستطيعين الدّخول دون ملابس الصّلاة”.

انزويت جانباً وارتديت ملابس الصّلاة ثم أدخلني رجل الأمن لباحة الحرم.

كان أوّل ما لفت نظري وجود غرف في يسار الباحة، كلّ غرفة عبارة عن مقبرة صغيرة بها مثلاً جثمان فيصل الحسيني وأحمد حلمي عبدالباقي الذي كنت أعرف ابنته رحمة الله عليها حقّ معرفة، ثمّ شاهدت مسجد قبّة الصّخرة وهو يشبه تماماً الصّور إلاّ أنّ لونه أكثر زرقة في الواقع وكان حوله العديد من السّيدات والأطفال، ثمّ توجّهت إلى الأقواس التي نشاهدها كثيراً في نشرات الأخبار وكانت لسبب لا أعرفه هي اللّحظة التي أيقنت فيها أنّني الآن في القدس في حضرة المسجد الأقصى.

نزلت السّلالم وأنا أصوّر، فمكثت وقتاً لا بأس به وسمعت رجلاً بقربي يهمس ويقول لي أرجوكي اذهبي من هنا. فأنزلت الكاميرا وقلت له أنا فلسطينيّة وأريد أن أصلّي في الأقصى، فقال لي بصوت هامس: لا يمكن الآن لأنّه مخصّص للرّجال فقط، اذهبي لمسجد الصّخرة لأنّه مخصّص للنّساء وعودي بعد الصّلاة. نظرت لليمين فوجدت ما لا يقل عن ألف رجل يقفون استعداداً للصّلاة ونظرت إلى جهة اليسار ووجدت عدداً مماثلاً. شعرت بالحرج الشّديد لأنّني لم انتبه أنّه لا يوجد في المكان امرأه واحدة غيري!

أسرعت باتّجاه مسجد الصّخرة لأتفاجأ بامتلاء المكان وبعدم وجود بقعة واحدة يمكني الصّلاة بها تحت الظّل إلاّ مساحة صغيرة جداً بجوار مجموعة من السّيدات في السّاحة المواجهة للمسجد فحشرت نفسي فيها.

فجأة، جاء رجلاً يرتدي ملابس أمن لكنّه لم يكن مسلّحاً وهو يصرخ في اللاسلكي بيده: “شفتها شفتها لابسة أخضر” ووقف بجانبي وهو يصرخ “قومي تعالي”. تلفتنا جميعاُ إلى سيّدة في الأربعينات من عمرها وتبدو أنّها أجنبيّة، فقالت له برعب شديد وبعربية ركيكة جداً: “أنا مسلم أنا أقرأ الفاتحة” واستمرّ بالصّراخ وهو يقول لها: “باسبور باسبور” فهمّت السّيدة بفتح حقيبتها لكنّها السّيدة التي بجواري هجمت على رجل الأمن وصرخت به قائلة: “هل هذا أسلوب تحكي به مع سيّدة”.

تفاجأ الرّجل لوهلة ثم صرخ مجدداً: “باسبور باسبور” لكنّ سيّدة أخرى كانت قد قبضت على حقيبة المرأة الأجنبية لتمنعها من إظهار جواز سفرها ونهرت رجل الأمن وقالت له: “صوتك وأسلوبك سيجعلها تترك الإسلام، ابتعد واذهب وإلا سترى ما سنفعله بك”. كنت والسّيدة الأجنبية في حالة ذهول ليس من رجل الأمن بل من رعبه من السّيدات ومن جرأتهم، فرحل عنّا كما جاء وشاهدنا رجلاً يرتدي ثوباً ويضع عمامة على رأسه يمشي بسرعة محاطاً برجلين من كل طرف وتبيّن لنا أنّه خطيب الجمعة.

بدأت خطبة الجمعة وكان الحرّ وأشعة الشّمس قوية فبدأت أتصبّب عرقاً حيث قلت رقعة الظّل. كنت أول الأمر أجلس على البلاط الحار لأنّه لم يخطر على بالي إحضار سجادة الصّلاة وتمنيت أن لا تكون الخطبة طويلة لأنّ ظهري بدأ يؤلمني ولأنّ أشعة الشّمس تضرب فوق رأسي، بدأت أصغي إلى كلام الخطيب وهو متحمّس وكان صوته قد بدأ بالانفعال قائلاً: “أتدرون ما هو اليوم؟ أتدرون أنّه في مثل هذا اليوم حدثت محاولة إحراق الأقصى؟! أتدرون من دافع عنه؟!

لم يكن هناك أيّ داعٍ ليقول حرفاً واحداً آخراً، لأنّني وجدت نفسي أنفجر بالبكاء هكذا فجأة دون سابق إنذار. بدأت أنتحب وفي تلك اللّحظة رنّ جرس تلفوني وأجبت وأنا أحاول السّيطرة على نفسي وإذ هي أختي دينا من مصر تقول لي أين أنت؟ أنا قلقة عليك… أجبتها بصوت منخفض بأنني في مسجد قبّة الصّخرة أثناء خطبة الجمعة، فقالت لي: “لماذا تبكين؟ هل المكان مؤثّر لهذه الدّرجة؟! أقفلت الخطّ في وجهها واستمرّيت بالبكاء والنّحيب لأنّني تذكّرت كيف رمقت الشّباب المقدسيّ وكم خجلت من نفسي لأنّني لم أر إلاّ شعرهم وجينزهم لا شجاعتهم وصمودهم ودفاعهم عن مقدّسات ملايين البشر من خارج القدس.

بكيت من فقر السّيدات الذين لم يمدّوا يدهم لسؤال النّاس وآثروا بيع بضع وريقات من النّعنع على عتبات السّور القديم، بكيت من شجاعة السّيدات اللواتي دافعن عن السّيدة الأجنبيّة وحقّها بالصّلاة في رحاب مسجد قبّة الصّخرة، بكيت من تشقّقات قدمي السّيدة التي تجلس بجواري والتي أعارتني جزءاً من سجّادة صلاتها لأجلس عليها، بكيت من غلاء كاميرتي ومن رفاهية فندقي ومن خذلان كلّ عربيّ ومسلم آثر صرف أمواله خارج أسوار القدس. بكيت من عدم تقديرنا لهؤلاء النّاس وعدم فهمنا أنّهم أهل الرّباط، وأنّهم من يموتون كلّ يوم للدّفاع عمّا أقرأه أنا وأمّة محمد في القرآن الكريم. لم أبكِ خشوعاً بل خجلاً…

Leave a Comment

Previous post:

Copyright 2010 ©