عندما زرت القدس – الجزء الثّاني

by samar on June 24, 2014

لماذا تريدين زيارة إسرائيل، سألتني المجنّدة الإسرائيليّة على حدود جسر الملك حسين؟

أجبت: للسّياحة!

المجنّدة: هل لديكِ أقارب هنا؟

أنا: لا، ليس لديّ أيّ أقارب!!

المجنّدة: كيف لا يكون لديكِ أيّ أقارب وتريدين أن تأتي هنا للزّيارة، أين ستسكنين؟

أنا: لديّ حجز في مدينة القدس وتحديداً في فندق القدس.

المجّندة: أريني الحجز؟

أنا: لقد قمت بالحجز عبر الأنترنت لأنّ لديهم موقع إلكترونيّ وليس لديّ شيء أقدّمه لكِ لأثبت هذا، لكن يمكنك أن تكلّمي الفندق بالهاتف لتتأكّدي.

المجنّدة: أين تعيشين الآن؟

أنا: في أمريكا

المجنّدة: منذ متى؟

أنا: منذ ١٧ عاماً.

المجنّدة: وماذا تفعلين هناك؟

أنا: أدرّس في الجامعة.

المجنّدة: ماذا تدرّسين؟

أنا: علاقات دوليّة.

المجنّدة: أريني تذكرة العودة لأمريكا.

أنا: لا يوجد معي تذكرة لأنّها تذكرة إلكترونيّة.

المجنّدة: كيف تأتين لإسرائيل دون أن تكون تذكرة عودتك لأمريكا معك؟

أنا: لأنّني لن أغادر إلى أمريكا من إسرائيل فلم أحضرها معي، عموماً يمكنك الدّخول عبر الانترنت على إحدى مواقع التّصفح وابحثي عن ( (DELTA كي تشاهدي التّذكرة.

أخذت منّي المجنّدة جواز السّفر وقالت لي انتظري هنا…

بعد مرور ثلث ساعة تقريباً، جاء مجنّد، كانت الأحداث تأخذ مجراها تماماً كما حدثني أحد طلابي الأمريكيين والذي أوصاني أن أجيب أيّ محقّق بنفس الأجوبة تماماً ولا أغيّر في أيّ إجابة، وهذا ما فعلته.

ثم جاءت أيضاً مجنّدة غامقة البشرة لغتها الإنجليزيّة ليست بالجيدة وأعادت عليّ جميع الأسئلة السّابقة وزادت عليها…

المجنّدة: هل ستذهبين لرام الله؟

أنا: لا، لن أذهب. سأبقى في القدس.

المجنّدة: وماذا ستفعلين في القدس؟

أنا: سأصلّي في الأقصى وأزور الكنائس وماسادا.

المجنّدة:نعم؟! ماذا قلتِ الآن؟

أنا: ألا يوجد معلم تاريخيّ سياحيّ اسمه ماسادا؟

المجنّدة: نعم، يوجد ولكن لماذا تريدين زيارته؟

أنا: لأنّه من ضمن الرّحلات السّياحيّة المقترحة لكل من يزور القدس.

توقّفت وقالت لي انتظري هنا، فعادت المجنّدة الأولى لتسألني: كم تريدين المكوث هنا؟

قلت بأنّني يجب أن أعود إلى الأردن خلال ستّة أيّام وطلبت منها أن لا تختم جواز سفري بختم الدّخول الإسرائيليّ. فسالتني: لماذا، إنّه جواز سفر أمريكيّ؟

أنا: لأنّني أريد زيارة بلاد عربيّة وقد لا تسمح لي بالدّخول إذا كان جوازي عليه الختم الإسرائيليّ.

المجنّدة: أيّ بلاد عربية؟

أنا: قائلة لنفسي، أمّا ورطة!! لم أفكّر بهذه الإجابة. فقلت لها: هل سمعتِ عن الحج؟

قالت لي: نعم، أعرف عنه!

فقلت لها: هناك حجّ صغير اسمه عمرة ربما أذهب لتأديتها العام القادم.

قدّمت لي جواز السّفر ولم أنتبه أنّ به ورقة، والتفتت المجنّدة للشخص الذي ورائي وقالت له هيا تقدّم.

أنا: عذراً، ماذا أفعل الآن؟

المجنّدة: هل معك حقيبة سفر؟

أنا: نعم، معي حقيبة صغيرة.

المجنّدة: هيّا، اذهبي واستلميها.

أنا: من أين؟

المجنّدة: اذهبي إلى يمين هذا الكشك واستلميها.

أنا: وماذا أفعل بعد هذا؟

المجنّدة: ألم تقولي انك تودّين زيارة القدس؟ اذهبي إليها.

حاولت إخفاء ابتسامة بدأت تسيطر على كياني كلّه وبدأت أشعر بالتّوتر الشّديد وأنا أدعو الله بأن يسهّل عبوري لهذه المسافة القصيرة عبر حاجز حديدي صغير دون مواجهة أيّ عائق وأن أصل للقدس بسرعة وبسلامة…

عبرت الحاجز الحديديّ لأجد أفواجاً من المسافرين مصطفين لاستلام حقائبهم. لا أدري كيف ميّز رجل التّفتيش حقيبتي وسلّمني إيّاها بسرعة، بعدها توّجهت نحو خط التّفتيش لكنّه أشار لي بأن أذهب للخارج فلم أتفوّه بكلمة وجررت حقيبتي وأنا أحاول أن أكون طبيعيّة دون أن أتباطأ أو أسرع خلال عبوري الباب الآلي الأخير الذي يقف بيني وبين مدينة القدس!!!

شكرت ربّي وأنا أحاول تهدئة نفسي وأفكّر، ماذا الآن؟ أين هي القدس؟ إنّ ما أراه أمامي عبارة عن صحراء وتاكسيات وباصات نقل صغيرة!!!

وجدت رجلا يبيع في إحدى الأكشاك فسألته كيف يمكنني الوصول للقدس؟ قال لي بأنّ أجرة التاكسي حوالي المائة دولار والباص الصّغير بحوالي ربع هذا الثّمن. ركبت الباص الذي يتّسع ربما لأثني عشر راكباً فقط وبه مكيّف هواء وفي غاية النظافة. أعلن السّائق لحظة امتلاء الباص بأنّه يجب علينا ربط الأحزمة جيداً لأنّ المخالفة مرتفعة وسيتحملها الراكب المخالف.

لسبب لا أعرفه، كان معظم الرّكاب من السّيدات وما أن تحرّك الباص حتّى استخدم كلّ الرّكاب هواتفهم النقّالة ليعلنوا خروجهم من المعبر وليحدّدوا ساعة وصولهم إلى وجهة سفرهم.

كان الباص يقف بين الحين والآخر كي يقوم بتنزيل ركّاب على الطريق، نزل جميع الركاب إلى أن بقيت الراكبة الوحيدة الجالسة في الباص. شعرت وقتها بأنّنا لا بدّ وأن نكون قد اقتربنا من القدس حيث بدأت برؤية أسواراً قديمة والطّريق أصبح أكثر تعرّجا وكأنّني في منطقة اللّويبدة في العاصمة عمّان. فجأة توقّف الباص في منتصف شارع رئيسيّ وكان على طول الشّارع من جهة اليسار سوراً عالياً. تيقّنت بأنّها أسوار القدس العتيقة التي غنّت لها فيروز وأنّ المسجد الأقصى خلفها لكنّني لم أره أو أرى مسجد قبّة الصّخرة. تناول سائق الباص عنباً من صديق له وقال لي إنزلي هنا هذا آخر الخط.

قلت له بأنّني ذاهبة لفندق القدس ولا أدري أين هو، قال لي أنّه على أعلى هذه التّلة بعد موقف الباصات وناولني عرقاً من العنب ووضعه بيديّ دون أن ينتظر منّي رفضه أو قبوله.

الفندق عبارة عن منزل قديم أثريّ تملكه عائلة مقدسية مسيحيّة، حاول ابن المالك المستحيل من أجل أن لا تصادره إسرائيل وكانت تفرض عليهم ضرائب وغرامات ليتخلّوا عن ملكية المنزل فقرّر تحويله لفندق للمحافظة عليه ولم يغيّر شيئاً واحداً في هندسته.

كانت حجرتي مربّعة بها دولاب خشبيّ لم أشاهد مثله إلاّ في المتاحف، بالإضافة إلى سريرين ومكتب أثريّ للكتابة. كانت جميع الجدران مبنيّة من الحجر المقدسيّ المشهور والسّقف عالٍ يتدلّى منه ثريّا بسيطة جداً وقديمة. وكان الشّيء الوحيد المناقض لقدم الغرفة هو وجود مكيّف للتّبريد لونه أبيض ومعلّق قرب سقف أحد الجدران. أمّا الحمام فكان أبيض شديد اللّمعان وبه دش الاستحمام مياهه باردة وأخرى ساخنة وجميع معدّات الحمام حديثة الصّنع عدا الجدران والتّمديدات.

ذهبت إلى حديقة الفندق علّني أتحدّث مع من ينصحني بما يجب فعله ومشاهدته فوجدت لوحة معلّقاً عليها مجموعة رحلات تغادر من الفندق يومياً. احترت ولم أدرِ ماذا أختار فعدت لغرفتي لآخذ قيلولة، يبدو أنّني نمت بعدها لأستيقظ على رنين هاتفي الجوال وكانت والدتي تطمأنّ عليّ من الأردن وقالت لي بأنّ أحد أقربائنا سيمرّ عليّ خلال ربع ساعة.

مرّ الرجل فعلاً خلال ربع ساعة وأخذني بسيّارته في جولة إلى معظم أنحاء القدس وأنا أكاد لا أصدّق نفسي من الفرحة وحظّي الجميل بأنّني بصحبة شخص ولد ويعيش ويعمل في القدس وكان يحدّثني عن التاريخ والحجارة والشّوارع وأنا أصغي له باهتمام…

دعاني الرّجل غلى العشاء مع عائلته ووالديه دون أن يترك لي مجال للرّد بالقبول أو الرفض تماماً كما فعل سائق الباص عندما أعطاني العنب. توقّف أمام مخبز وعاد ببضعة أكياس من الورق وذهبنا لمنزل والديه وبدأ بتحضير العشاء أمامنا ونحن نحتسي الشّاي.

كانت الأكياس مليئة بالكعك المقدسيّ الشّهير المدوّر والرّقيق الذي طالما سمعت عنه. بدأ الرجل بحشو نصف دائرة من الكعك ببيضة مسلوقة باردة، وهذه من أكثر الأطعمة التي لا أستطيع تذوّقها وهي باردة، أضاف قطعة فلافل فوق البيضة وناول والدته أوّل كعكة فرفضت تناولها قائلة الضّيفة أولاً! قلت لها بأنّني لا أحبّ البيض المسلوق وخاصّة بارداً فضحكت وقالت لي هذا ليس كأيّ بيض، هذا بيض القدس المطبوخ في فرن على صاج الرّوث المدخّن.

لم يكن أمامي خياراً آخر حيث أنّها فعلت تماماً كسائق الباص وكابنها، حيث أنّها فتحت يدي ووضعت الكعك بها وأقفلت أصابعي عليها. تناولت أول لقمة من الكعك الذي لم أذق في حياتي ألذ وأشهى منه لأجد نفسي قد التهمتها كلّها. كنت أودّ وقتها طلب كعكة أخرى لكنّني خجلت.

عدت للفندق وصحوت ثاني يوم استعداداً للذّهاب للأقصى ومسجد قبّة الصّخرة…

( ملاحظة هامّة، لقد قمت باختصار الكثير من التّفاصيل من أجل حصر المقال في ثلاثة أجزاء)…

Leave a Comment

Previous post:

Next post:

Copyright 2010 ©