عندما زرت القدس- الجزء الأوّل

by samar on May 9, 2014

كنت أحلم وأنا أسكن في أمريكا أنّني سآخذ معي فريق تصوير ليوثّق زيارتي الأولى للقدس بعد أن أحصل على الجنسية الأمريكيّة، حيث أنّ جواز السّفر الأمريكيّ هو وسيلتي الوحيدة التي تسمح لفلسطينيّة مثلي مولودة في الكويت ولا أهل لها في فلسطين بزيارتها.

حصلت على الجنسيّة الأمريكيّة فأصبح لدي جواز السّفر الأمريكيّ وألهتني مشاغل الحياة فلم أتمكّن من زيارة القدس لسنوات عدّة حتّى قال لي أخي الصّغير علي تعقيباً على رغبتي بزيارة المغرب: لم لا تزورين فلسطين التي تحاضرين عنها طول الوقت في أمريكا بدلاً من زيارة المغرب؟

وهذا ما كان…

أخذت التكسي من باب منزل والدتي في جبل عمان في السّاعة الثّامنة والنّصف صباحاً و قد نسيت يومها أن آخذ كيساً من السّاندويتشات أعدّته أمّي لي وكأنّني ذاهبة في رحلة مدرسيّة. أوصلني التّكسي إلى معبر جسر الملك حسين ونزلت أسوة بالبقيّة الذي جاء بعضهم بسيّاراتهم الخاصّة والبعض الآخر بباصات عموميّة. لنكمل الطريق مشياً على الأقدام من الجزء الأردنيّ للمعبر إلى باصات تنتظرنا لنقلنا إلى الجزء الإسرائيليّ.

جلس بجواري رجل يبدو أنّه في السّتينات من عمره، بدأ بسؤالي إن كنت ذاهبة لأزور أهلي في الضّفة، فأجبته بأنّ لا أهل لي هناك وحاولت اختصار الكلام معه لأنّني كنت أريد أن التهم الطّريق إلى القدس وأخزّن كل لحظة وكل همسة وأن أستمتع بكل ثانية أمرّ بها خلال زيارتي الأولى للقدس.

ولكنّ الرّجل ازداد فضوله وسرعان ما قال لي أنّني لا بدّ وأن أكون مهاجرة وأنّ جواز السّفر الأجنبيّ هو الذي سمح لي بهذه الزيارة، فقلت له نعم.

الرجل: ما نوع جواز سفرك وكيف حصلت عليه؟

كان الموضوع قد بدأ يلفت اهتمام رجل آخر جالس إلى يمين الرّجل في القسم الثّاني من الباص، أدركت وقتها بأنّني لن أنعم بأيّ هدوء إلاّ إذا كنت صارمة مع الرّجل وقطعت عليه باب الحديث وهو أمر لا أجيد فعله أبداً! لكنّ لهفتي على احتواء لحظة عبور نهر الأردن كانت أقوى بكثير من كل آداب الحديث واللّباقة فقلت للرجل باقتضاب: أرجوك لا أستطيع التّحدث وأنا في باص لأنّني أصاب بالدّوار. أدرت وجهي نحو الشّباك وكنّا قد بدأنا نعبر جسراً قديماُ وفي أسفله مياه شككت بأنّها ربّما تكون مياه نهر الأردن لأنّها كانت ضحلة جداً وبالكاد كنت تستطيع رؤية مياه تكفي لأن يطلق عليها اسم نهر.

هكذا مرّت لحظات العبور إلى الجانب الآخر من الحدود بثوان لم أستوعبها كاملة. توقّف الباص فجأة وطلبوا من الجميع النّزول والوقوف خارجاً تحت أشعة الشّمس وذلك ليقوم مجنّدون إسرائيليّون صغار بتشييك أوراقنا الثّبوتيّة وجوازات سفرنا.

أخيراً، وجهاً لوجه مع مجنّد إسرائيليّ مسلّح بمسدّس على خاصرته ورشّاش على كتفه ووسائل اتصال وقمع اخرى يقلّب جواز سفري ويسألني عن سبب زيارتي لأجيبه أنا بدوري: للسّياحة!!!

تمّ التّشييك على أوراقنا جميعاً ثم ركبنا الباص مرّة أخرى وسار بنا مسافة قصيرة ليتوقّف أمام مبنى مكوّن من طابق واحد يبدو عليه القدم وكانت الأرض القاحلة الصّحراوية تحيط بنا من كلّ جانب وكان هناك طوفان من البشر متجمعين حول شيء ما لكنّني لم أستطع تمييز ما هو بسبب الزّحام.

كنت أجرّ حقيبة صغيرة وتوجهت بها نحو باب الدّخول فأشار لي الحارس بالذهاب إلى حيث الطّوفان البشري لأسلمهم حقيبتي!

وكيف سأجدها فيما بعد؟

فأجابني بأنّني سأجدها بانتظاري على الجانب الآخر إذا سمحوا لي بالدّخول.

كان النّاس يحملون عدّة حقائب سفر ثقيلة وكبيرة الحجم وقد أخذت محاولة تسليم حقيبتي الصّغيرة لأيّ عامل كي يمرّرها عبر التّفتيش الإلكترونيّ وقتاً وجهداً كبيرين بالرّغم من صغر حجمها وكدت أن أصاب بكدمات جسديّة بسبب تدافع الناس ولعدم وجود طابور أو نظام تسليم للحقائب.

دخلت أخيراً إلى غرفة مكيّفة وبها طابور منظّم واحد للرّجال وآخر للسّيدات وكنت قد فرحت بالتّفرقة بين الرّجال والسّيدات بهذه اللحظة لأنّ كلّ منّا سيمرّ الآن عبر جهاز آلي للتّفتيش وليس هناك حاجة للتّدافع.

لا أدري ماذا حدث ولكنّني كنت أقف خلف سيّدة ترتدي ثوباً طويلاً وحجاباً أبيضاً وكانت تحاول إقناع المفتّشة بأنّها وضعت كلّ حاجيّاتها على شريط تفتيش الحاجيّات والمفتّشة تصرّ بأن على السّيدة خلع جميع ما ترتدي من مجوهرات ومصوغات ذهبيّة قبل المرور على جهاز غريب يدخله الإنسان ثم تقفل الأبواب عليه ويرشّ بغاز ما.

كنت أحمل جواز السّفر الأمريكيّ بيدي وكنت أحاول التفكير بأيّ عذر كي أستخدمه لعدم المرور خلال هذا الجهاز حيث أنّني كنت قد قرأت بأنّ غازاته التي تحاول اقتفاء أثر وجود موادّ متفجرّة على جسم الإنسان مضرّة بالصّحة ولكنّني لم أكن أريد المغامرة برفضي دخوله ومن ثم منعي من عبور الحدود.

تلفتّ إلى يميني فوجدت مجنّدة إسرائيليّة تشير لي بيدها وتقول لي باللّغة الإنجليزيّة وهي تبتسم: أعطني جوازك ومرّي من هنا. مررت من الجهاز الآلي التّقليديّ الذي نراه في كلّ مطارات العالم، ابتسمت المجنّدة وأعادت الجواز لي فمشيت على عجل مبتعدة وكانت السّيدة الفلسطينيّة التي قد تكون مولودة في فلسطين وغادرتها لزيارة أقارب لها في الأردن لا تزال تقف وخلفها طابور طويل من السّيدات بينما مررت أنا هكذا بكلّ بساطة.

دخلت إلى قاعة متوسطة الحجم بها أقسام كالّتي نراها في المطارات للتّحقّق من جوازات السّفر وكان كلّ قسم له عنوان مختلف مثل لمّ الشّمل، الأجانب، وهكذا… فاتّجهت إلى قسم الأجانب فوقفت وراء شباب صغار السّن كأنّهم طلاب جامعات.

وقفنا بعض الوقت وسلّيت نفسي بالاستماع إلى حوار يدور بين طالبين، أحدهما أمريكيّ والآخر أوروبيّ لا أذكر من أيّ بلد تحديداً.

الامريكيّ للأوروبيّ: هل هذه زيارتك الأولى؟

الأوروبيّ: نعم، أنا هنا لأذهب إلى رام الله لأرى ما الذي يحدث هناك.

الأمريكيّ: إيّاك أن تقول هذا لرجل الجوازات وإلاّ سيحرمك من الدّخول.

الأوروبيّ: أعلم هذا، لقد نبّهني أصدقائي الذين زاروا فلسطين لأن أقول بأنّني قادم لتعلم اللّغة العربيّة في القدس والصّلاة في الكنائس.

الأمريكيّ: هل لديك عنوان مدرسة ورسم دفع المصاريف؟

الأوروبيّ: بالطّبع ها هو، هل تعرف هذا العنوان؟

الأمريكيّ: أعتقد أنّه عنوان حقيقيّ، هذه ثالث مرّة لي في فلسطين وأنا أسكن في رام الله لديّ عائلة فلسطينيّة في مخيّم وأدرس الإنجليزيّة بمقابل السّكن وأكتب عن مشاهداتي ولكن باسم مستعار.

الأوروبيّ: هذا بريدي الإلكتروني لعلّنا نتقابل في رام الله إذا سمحوا لنا بالدّخول. فلنتوقف عن الحديث الآن وإلاّ شكّوا بأنّنا مع بعضنا البعض.

كنت أودّ أن أسلّم عليهما وأقول لهما: باسم العروبة والوطنية والإنسانيّة والفلسطينيّة، أخجلتمونا…

ثم جاء دوري أمام مجنّدة إسرائيليّة يبدو عليه أنّها بعمرهما…

يتبع…

Leave a Comment

Previous post:

Next post:

Copyright 2010 ©