أميال وكتب

by samar on June 20, 2012

كانت الجامعة التي بدأت دراسة الماجستير فيها  في منتصف التّسعينات من القرن الماضيّ  تقع على بعد مئة ميل من منزلي، وتستغرق المسافة المقطوعة لوصولي إلى الجامعة ساعة وخمس وأربعين دقيقة، هذا إن لم تكن هناك أيّة حوادث على الطريق. كنت أذهب للجامعة مرّة أو مرّتين أسبوعيّاً وذلك على حسب الموادّ التي أسجّلها. هذا يعني قضاء ساعات طويلة في السّيارة وعلى الطّرق.

 أحبّ التّحدّث قليلاً إلى من لم يزر أمريكا وولاية فلوريدا بالذّات عمّا يسمى عندنا بالهاي وي أو الطّريق العلويّ، وما يسمّى في مصر بالطّريق الدّائري، وما يسمّى في بلاد عربيّة أخرى بالطّريق السّريع.

يمتاز هذا الطّريق وفي فلوريدا بالذّات، بأنّه مملّ لأقصى درجات الملل. حيث الأرض منبسطة تماماً. ولا يوجد أيّة ارتفاعات أو تلال أو هضاب أو حتى تنوّع في ألوان الشّجر وأنواعها، وبالرّغم من جمال اللّون الأخضر الذي يلوّن جانبي الطّريق، إلاّ أنّه لون أخضر موحّد تقريباً دون أي تفاوت في درجات اللّون أو حتّى تداخل لأيّ ألوان أخرى، مع الوقت تعتاد على هذا اللّون وتصبح بحاجة لأن ترى الرّمل أو الحجارة أو حتّى العشب اليابس بنّيّ اللّون. ويفاقم الشّعور بالملل عدم وجود تعاقب للفصول في هذه المنطقة ومروري في ذاتّ الطّريق آلاف المرّات.

هناك ميّزة عظيمة لهذه الطّرق السّريعة، ولكنّ هذه الميّزة تعزّز الشّعور بالملل أيضاً. فهذه الطّرق منظّمة ونظيفة جداً وممهّدة تماماً وتخلو من الحفر والمطبّات ومحكومة بقوانين يلتزم بها كلّ سائق سواء كان يقود سيّارة عاديّة أم مقطورة أم شاحنة. فلا أحد يخالف قوانين الطّرق، ولن تجد من يتعدّى على مسارك وأن يزاحمك ويتعدّى عليك بالعافية ويوتّر أعصابك ويجعلك متنبّهاً ويقظاً، أمّا المخالفة الوحيدة التي قد تحدث هي تجاوز السّرعة المحدّدة من بعض السّائقين، وهؤلاء إمّا سيلتقطهم رادار السّرعة أو عزرائيل الموت. لذلك لا داعي أبداً لشدّة التّركيز أو تعب الأعصاب عند القيادة. وهذا في نظري يساهم في زيادة الملل.

والطّرق السّريعة منتشرة منذ زمن في جميع أنحاء الولايات المتّحدة، ليس فقط لربط المدن والولايات ببعضها البعض، بل لأنّها كانت خطّة مدروسة تقدّم بها الرئيس الأمريكيّ دوايت إيزنهاور في منتصف القرن الماضي لإحياء الاقتصاد الأمريكيّ وإنقاذ بلاده من الرّكود الاقتصادي. وكان أوّل من عرض عليه هذه الخطّة شركات السّيارات آنذاك، والتي تبحث دائما عن وسائل لزيادة المبيعات، فرأت أنّه كلّما توفرت طرق سريعة، تحمّس النّاس لفكرة السّفر بين الولايات البعيدة باستخدام السّيارات، وهذا يعني استهلاك أكبر للسيّارات واستبدال القديم منها بما هو حديث ومناسب للسّفر الطّويل.

تبنّى الرّئيس السّابق إيزنهاور هذه الخطّة لأنّه كان معجباً بالطّرق السّريعة الألمانيّة التي خبرها وهو مجنّد في أوائل القرن الماضي، ورأى أنّ هذه الطّرق مهمّة لنقل الجنود والمعدّات إذا لزم الأمر. وهكذا ضرب الرّئيس الأمريكيّ عدّة عصافير بحجر واحد، خفّف البطالة عندما أوجد آلاف الوظائف للعمّال والمهندسين، وأنعش اقتصاد المدن الصغيرة والكبيرة التي تمرّ عبرها هذه الطّرق، وأسعد وأنعش شركات السّيارات الأمريكيّة التي زادت مبيعاتها، كما أنّها أعطت الفرصة للأمريكان ذوي الدّخل المحدود لممارسة السّياحة الدّاخلية في بلادهم دون الحاجة لركوب الطّائرة أو مغادرة بلادهم، وحظي هو بشعبيّة أكثر بسبب قرار بسيط.

 وهذه الطّرق المفتوحة تعطي الشّعب إحساساً كبيراً بالحرّية وعدم التّقيّد بالبقاء في مكان واحد، فتخيّل أنّك كعربيّ يمكن أن تشتاق للجبال العالية وأنت تسكن في الأردن فتقرّر ركوب سيّارتك وتذهب لجبال أطلس في المغرب، أو تكون في القاهرة وتركب سيّارتك وتذهب للتّزلج على الجليد في فاريّا في لبنان بلا حواجز أو موانع أو حدود. أو لو أنّك أحسست برغبة عارمة بزيارة مكّة والمدينة وأنت في تونس فلا تقلق من نقص البنزين أو الطّعام أو محلاّت تصليح السّيارات أو الفنادق البسيطة التي يمكنك المبيت فيها خلال رحلتك. هذا الإحساس العميق بالحرّية يجعل الأمريكان أكثر حساسيّة نحو التّدخل الشّديد في أمور حياتهم اليوميّة ويجعل مهمّتي في شرح معنى الاحتلال الاسرائيليّ للضّفة أو غزّة صعباً، لأنّهم لا يعرفون معنى حاجز تفتيش إلاّ لو غادروا بسيّاراتهم إلى المكسيك أو كندا وهي عادة حواجز تأخذ بضعة دقائق فقط.

ولعلّ العلّة الوحيدة في هذه الطّرق السّريعة أنّها تشجّع على السّفر البرّي مما يرهق البيئة, وأيضاً يدفع الحكومة الأمريكيّة لتوفير البترول بسعر رخيص، وهو ثمن غالٍ سيدفعه ولا يزال يدفعه الشّعب العربيّ كما سنرى لاحقاً.

المهم، أنّ هذه الطّرق أصبحت شريان الحياة، وشجّعت شركات عدّة لاختراع ابتكارات من أجل التّخفيف من الملل وإيجاد طرق جديدة في تحصيل الرّبح المادّي، وكان من أروع هذه الابتكارات التي أثّرت إيجابيّاً على حياتي في أمريكا، هي الكتب المقروءة التي كانت في الماضي متوفرة فقط على أشرطة الكاسيت، ويمكن لأي مسافر شراؤها أو تأجيرها من محطّات الوقود وبعض المطاعم المنتشرة على الطّرق السّريعة. لكن التقدّم الهائل في الأجهزة الإلكترونيّة وتكنولوجيا نقل المعلومات، جعل ملايين الكتب والروايات والبرامج حتى القرآن المسموع، في متناول اليد، على هاتف الجوّال وباقي الأجهزة كالآيبود. وهكذا توقّفت عن التّذمّر منذ فترة طويلة من بعد المسافات وكثرة السّاعات التي أمضيها أسبوعيّاً على الطّرق السّريع للذّهاب إلى الجامعة.

فقد صدف وقوفي في محطّة للوقود على الطّريق السّريع وكنت انتظر في طابور الدّفع وهذه أوّل مرّة أفعلها حيث أنّنا ندفع ثمن البنزين ببطاقة الائتمان في الخارج ولا داعي لدخول المحطّة إلاّ إذا كنت تنوي شراء شيء ما، وبالطّبع لا يوجد عامل ليملأ لك خزّان سيّارتك كسائر الدّول العربية. صادف هذا اليوم أنّني كنت عطشى وقرّرت شراء عصيرٍ، فدخلت المحطّة ووقفت في طابور الدّفع وسمعت السّيدة أمامي تسأل العاملة في المحطّة إذا وصلتهم كتب جديدة لاستعارتها لأنّها تسوق كثيراً ولا تحب تضييع الوقت كما قالت لها، واستأذنتني بأنّها ستترك موقعها على صندوق الدّفع وتذهب لمنطقة مبيعات أو استئجار الكتب، فذهبت معها لأتفاجأ أنّ الكتب عبارة عن أشرطة كاسيت. وفوراً، قرّرت استعارة واحدٍ لتجربة هذا الشّيء الجديد عليّ! وأنا لا أدري أنّه سيفتح أمامي باباً جديداً من المعرفة…

لا أعتقد أنّه كان بإمكانيّتي قراءة هذا الكمّ الكبير من الكتب، وخاصّة المتعلّقة بتاريخ الولايات المتّحدة دون هذا الاختراع الرائع، فكتب التّاريخ عادة ما تكون مملّة وطويلة جداً وقد يتقاعس المرء عن قراءة كتب مهمّة بسبب الخوف من الملل أو كبر حجم الكتاب، ولكن الاعتماد على السّمع  في القراءة وخاصّة أن صوت القاريء يكون عادة جميلاً وفي منتهى الوضوح جعل الاستماع للكتب التاريخيّة ممتعاً للغاية ودافعاً لي فيما بعد لقبولي التّدريس في تامبا بالرّغم من بعد المسافات طالما أنّني لن أضيع الوقت بالسّرحان أو الاستماع للموسيقى أثناء القيادة. أمّا الشّيء المبهر حقّاً هو أنّ الكتاب المسموع يسهّل من مهمّة الفهم بطريقة غير عاديّة حيث أنّ دماغ الإنسان شيء غريب حقّاً، فأنا ولهذه اللّحظة أستطيع ذكر أين كنت على الطّريق السّريع عندما أذكر لك معلومة ما استقيتها من كتاب ما مع العلم أنّني لا أتمتّع بذاكرة مميّزة.

والمثير هو استفادتي الكبيرة من العديد من المعلومات التي سمعتها بأذني، في المحاضرات التي كنت أقوم بها وأتحدّث فيها عن القضيّة الفلسطينيّة أو الإسلام وحقّي كأقليّة في أن يكون لي صوت ودور في أمريكا -بلدي الجديد- وخاصّة بعد أحداث سبتمبر وفي التّدريس بعد ذلك. وقد صادف تعرّفي إلى الكتب المسموعة في نفس الوقت الذي عرّفني فيه كيرت على محطّة الرّاديو التي تمثّل الإعلام البديل فأصبحت أنتقي الكتب على حسب الأخبار التي أسمعها لأزيد من فهمي لأمريكا الجديدة التي بدأت أكتشفها من جديد.

وأعتقد أنّني بدأت أفهم أكثر هذا البلد، فمثلاً استمعت لأهم كتاب عن الهنود الحمر والمذابح التي ارتكبت في حقّهم، والأساليب التي كان يتّبعها المهاجرون الذين قدموا من أوروبا لقتل روح المقاومة لدى الهنود. كنت كلّما استمعت لفقرة ما أتخيّل اسرائيل وسياساتها القمعيّة في الأراضي المحتلّة وأتعجّب من التّشابه في الوسائل لدرجة أنّني كنت أنسى للحظات أنّ الكتاب لا يتحدّث عن اسرائيل ويتحدّث عن الإبادة الجماعيّة للسّكان الأصلييّن لأمريكا، وتذكّرت بعد أن أنهيت قراءة الكتاب ما قاله لي رجل كنيسة بعد محاضرة عن فلسطين قدّمتها في كنيسته منذ زمن بعيد وربّما في السّنة الثّانية لوصولي لأمريكا وكنت لا أزال مبتدئة في إعطاء المحاضرات.

انتظر رجل الكنيسة حتى لحظة خروجي وركوبي سيّارتي وقال لي: سأقول لك شيئاً ربّما لن تصدّقيه أو تستوعبيه الآن: لن يتعاطف معك كثير من الأمريكان ولا تتوّقعي تغيّر السّياسة الخارجيّة الأمريكيّة بالنّسبة لفلسطين، لأنّنا إذا تعاطفنا مع الفلسطينيين وقضيتهم فهذا يعني تعاطفنا مع الهنود الحمر، واعترافنا بذبحهم وسرقة بلادهم، لقد فعلناها نحن أوّلاً فكيف نلوم اسرائيل على ما فعلته وتفعله بكم؟

أذكر تماماً كيف أنّني فوجئت جداً واكتأبت عندما قال لي هذا، وخاصّة أنّني شعرت ببعض التّعاطف مع القضيّة الفلسطينيّة من أغلب الحاضرين للمحاضرة. ولم أستوعب ما قاله لي رجل الدّين إلاّ بعد عدّة سنوات، بعد استماعي لكتاب Lost my heart at wounded knee .

ولعلّ أكبر صدمة ودرس تعلّمته من هذا الكتاب هو كيف أنّ معظم الأفلام والمسلسلات التي شاهدناها ونحن صغار في الكويت مثل مسلسل هاي شبرال عن مقاومة رجال الكاوبوي لهجمات الهنود الحمر الذين صوّروا وكأنّهم وحوش همجيّة غير بشريّة، ويحبّون سرقة الشقراوات وذبح الرّجال وخلع جلدة رأسهم ووضعها على أسنّة الرّماح، اكتشفت بعد هذا الكتاب وغيره من الكتب أنّ المسلسلات لم تكن فقط عنصريّة في تصويرها للهنود بل كانت تكذب وتلفّق وتزوّر التّاريخ تماماً. وبما أنّ السّاكن الأصليّ للأرض همجيّ بلا إنسانيّة ورحمة إذاً هو لا يستحق الحياة، وبالتّالي يهلّل المشاهد عندما يرتدّ راعي البقر قتيلاً، أي أنّ الأفلام والمسلسلات حوّلت المعتدي الغاصب إلى بطل وحوّلت المعتدى عليه والمغتصَب إلى مجرم.

والمحزن هو أنّني،أنا الفلسطينيّة، التي عانيت في صغري من استهزاء زميلاتي بي وباسم وطني أنّ أوّله فلس وأخره طين (مشتقّة من كلمة فلسطين) وأبوتش يسرق بيزاتنا (أبوكي يسرق فلوسنا وأموالنا) وأنتو إللي بعتوا أرضكو (أرضكم) لليهود، أنّني بلعت الكذبة والصّورة النمطيّة التي رسمتها المسلسلات والأفلام عن الهنود الحمر، تماماً كما فعلته أفلام هوليوود لتشويه صورة العرب والمسلمين والتي سأتحدّث عنها بالتّفصيل في فصل لاحق.

دفعني هذا الكتاب إلى قراءة المزيد عن تاريخ الهنود الحمر الحديث، واكتشفت أنّ الكثير منهم يحاولون الحفاظ على لغاتهم المختلفة وأديانهم وعاداتهم وتقاليدهم، وكثير منهم لا يزالون يعيشون في مستعمرات خاصة بهم ويعانون من الفقر ونقص الخدمات وانتشار الأمراض والإدمان على الكحول والمخدّرات، وأنّ لهم محطّاتهم الإذاعيّة القاصرة على مناطق تجمّعاتهم وكتبهم ومجلاّتهم ومؤتمراتهم وحتّى انتخاباتهم الخاصّة لاختيار رؤساء قبائلهم. ولهم فرقهم الرياضيّة ونشاطاتهم، وأنّ منهم من اشتهر على مستوى أمريكا ككتّاب وشعراء، ومنهم من لا يزال يعيش في فقر شديد في مستعمرات مخصّصة لهم.

سمحت الحكومة الأمريكيّة للهنود الحمر ببناء كازينوهات القمار على أراضيهم كنوع من التّعويض لهم، ولكن الكثير منهم رأى أنّ هذه وسيلة لإغراقهم بالدّيون والإدمان الكحوليّ. ولعلّ أصعب قرار يضطّر الشّاب والشّابة الهنديّة لاتّخاذه هو قرار دخول الجيش الأمريكيّ هرباً من الفقر و العوز. حيث يصبحون أداة تساعد على استعمار شعوب أخرى، وقد صادفت عدّة أمريكان يقولون لي أن لديهم عرق هنديّ ما ولكن لا يعلمون عن طريق مَن مِن العائلة أو مِن أيّ قبيلة بالذّات.

أمّا إذا أراد القاريء فهم البعد العميق لسياسات اسرائيل في الضّفة الغربيّة والقدس مثل بناء الجدار العنصريّ بطريقة تفصل المزارع عن أرضه ومحصوله وبئره، والرّاعي عن غنمه والطّالب عن مدرسته، فيجب أن يقرأ التّاريخ الحديث لقبيلة هنديّة اسمها هوبي أيّ قبيلة السّلام.

فهذه القبيلة، والهنود الحمر بصفة خاصّة، يعتبرون أنّ الأرض أمّهم وأن الشّمس أباهم والأم لا تقتل أولادها بل تحنّ عليهم وتمنحهم الطّعام والدّواء ومقوّمات الحياة. لذلك هم أوّل من حافظ على البيئة ومارسها وحرص على عدم تغيير التّوازن البيئيّ للأرض، فلما جائتهم الشّركات العملاقة التي اكتشفت أنّ أرضهم مليئة بالفحم والبترول والمعادن واليورانيوم، لم تقتلهم وتشرّدهم، بل بنت الحواجز وقتلت الماشية وجرفت الأرض وغيّرت التّوازن البيئيّ لأمّهم الأرض وبدؤوا يموتون من القهر والأسى لأنّهم يعتقدون انّ الرّجل الأبيض يهين أمّهم ويلوّثها لأنّه لا يفهم معنى أنّ الابن لا يترك أمّه وينتقل لمكان آخر.

فالاقتلاع من الأرض والتّهجير لا يفقد المهاجر حلم حقّ العودة، ولكن رؤية محصولك يموت وبئرك ينضب وشجراتك تقتلع كلّ يوم تعجّل بموتك من شدّة الإحساس باليأس، ممّا دفع كثير من الأبناء ترك أرضهم طواعية بعد وفاة آبائهم.

ومن أهمّ شعائر احترام الأرض والطّبيعة والرّياح والأمطار هي مجموعة من المراسم الدينيّة المرتبطة بأمكنة مقدّسة لهم من آلاف السّنين التي يزورونها عدّة مرّات في السّنة ويعتبرونها مكمّلة لحلقة ارتباطهم بالأرض وما تقدّمه لهم من مأكل ومشرب. أيّ أنّ للقبيلة مسجد أقصى وكنيسة قيامة على هيئة قمم جبال يزورونها في أوقات متعدّدة، لكنّ معظمها جرف أو تلوّث من قبل الشّركات الكبرى ممّا زاد من حزنهم وإحساسهم بالقهر والكآبة.

وكان الحاكم الأمريكيّ أو الرّجل الأبيض القادم من البحر كما يسمّيهم الهنود الحمر، قد أيقن قوّة ودور الأمّ الهنديّة في القبيلة، فهي من تحمل التّراث وأسرار الزّراعة والدّباغة والغزل والنّسيج، فقام الرّجل الأبيض بخطف الفتيات الصّغار وهنّ يلعبنّ في الحواري لإرغامهنّ على دخول المدارس ليس حبّاً في محوّ الأميّة، بل رغبة في محوّ اللّغة الأمّ لبتر الصّلة مع الماضي والحضارة القديمة.

وكم هو محزن عندما أقابل عرب يعيشون في البلاد العربيّة ويتباهون أنّهم أو أبنائهم لا يجيدون العربيّة مثل الإنجليزيّة وغيرها من اللّغات، ولا يدرون أن اللّغة العربيّة هي همزة الوصل ما بين الماضي والمستقبل، ما بينهم وبين الأرض!

أصعب لحظة حدثت لي مع السّكان الأصليين لأمريكا، كانت منذ عدّة سنوات عندما سافرت أنا وزوجي مع طبيب هندي وزوجته لحضور مؤتمر طبّي في ولاية أريزونا. كنّا في منطقة صحراويّة حارّة وجافّة جداً وبها العديد من شجرات الصّبّار الهائلة الحجم وبعض الجبال الحمراء اللّون، منطقة مختلفة كلّ الاختلاف عن خضار ورطوبة ولاية فلوريدا وكأنّنا انتقلنا في بضع ساعات سفر من قارّة إلى قارّة أخرى، ذهبنا أنا ورفيقتي جاكيتا الهنديّة في رحلة سياحيّة كان من ضمنها زيارة مستعمرة هندية.

وأذكر رؤية فتاة هنديّة بدت في العاشرة من عمرها وكان شعرها ناعماً للغايّة ووجهها جميل جداً مدوّر كالطّبق وكانت تجلس القرفصاء على الأرض تصنع من ذيل الخيل سلال صغيرة جداً بحجم عقلة الأصبع للبيع. شعرت بالخجل من نفسي! أنّني سائحة أدفع مالاً لأتفرّج على طفلة سُلبت وطنها وأرضها وتاريخها ودينها وعاداتها وتقاليدها وأصبحت هي وسيلة لانتزاع حفنة قليلة من دولارات سيّاح يتفرجون على بقايا قوم. وودّدت لو أقول لها أنّني آسفة وأشعر معك. أو أنّ شعبي قد يكون مثلك في يوم من الأيام، هزّتني هذه الفكرة بشدّة وكدت أبكي، ولاحظت جاكيتا أنّني منفعلة فسألتني إن كان قد حدث شيئ ما، فقلت لها احفظي مشهد الفتاة جيّداً، وسأقول لك في الباص.

قلت لجاكيتا إنّ شعبي الفلسطينيّ سيكون مثل هذه البنت في يوم من الأيّام إذا تنازلنا عن حقوقنا أو هوّيتنا أو تركنا الأرض بسبب اليأس ومن أجل البحث عن حياة أفضل خارج فلسطين المحتلّة. وقد أصبت بالرّعب من هذه الفكرة ومن منظر الفتاة ومن أنّني دفعت مبلغاً لأتفرّج عليها وكأنّها بهلوان في سيرك، وبدأت أوجّه غضبي لباقي أفراد الرّحلة من الأمريكان الذين بدوا وكأنّهم في عالم آخر غير عالم الفتاة وعالمي واعتقدت أنّهم لا يعرفون شيئاً عمّا فعلوه بهؤلاء المساكين وماذا فعلت حكوماتهم بقضيّة فلسطين. توقّف بنا باص السّياحة في مطعم يقدّم شيئاً ما مشهوراً ولكنّني لا أذكر ما هو، وجلست مع رجل وزوجته على مائدة الغذاء دون أن يكون لي أي خيار، فقد تم توزيعنا على الموائد من قبل مشرفي الرّحلة دون أيّ ترتيب مسبق. ولم تكن جاكيتا على طاولتي.

وكالعادة، تعرّفنا إلى بعضنا البعض وأنا لا أزال غاضبة بعض الشيء، فقلت للزّوجين أنّني فلسطينيّة أصلاً و شعبي مثل هذه الفتاة التي دفعنا مالاً لنتفرّج عليها، توّقعت أن تكون ردّة فعلهما عدائيّة أو على الأقل  تحاشي الرّد والخوض في السّياسة، وكعادتي في أميركا، صدمت أنّ الرّجل قال لي بالحرف الواحد: نحن للأسف أجرمنا في حقّ شعوب كثيرة و من ضمنهم الهنود الحمر ولهذا السّبب جئت أنا وزوجتي إلى هذه الرحلة لأراهم عن كثب، و قال لي أنّه أيضاً كان يريد الاعتذار ولكنّه خاف من ردّة فعل الطّفلة المسكينة. أمّا الصّدمة الحقيقيّة فكانت ما قالته زوجته الجميلة الرّقيقة جداً: نحن نحاول التّكفير عن ذنب حكومتنا ولذلك تبنّينا طفلين من فيتنام ونحن نسعى الآن لتبنّي طفل ثالث.

أودّ التّوضيح أنّنا هنا كعرب نأتي من مجتمعات وطبقات مختلفة، ولكن أعتقد أنّ الكثير منّا، وأنا كنت أوّلهم، نتسرّع بالحكم على الآخر وخاصّة من يبدو كهيئة أو كطبقة اجتماعيّة أو ثقافيّة أو حضاريّة مخالف لنا، وهو طبع أو عادة تخلّصت منها بعد مرور العديد من السّنوات وبعد تجارب ومواقف عديدة. فكم من مرّات عديدة اُفاجأ بأنّ الشّخص الذي أمامي وعلى الرّغم من يديه المليئتين بالوشم وثيابه الرّثة فإنّه يتبرّع للذّهاب للأحياء الفقيرة في بلدة في شرق اَسيا لتعليم اللّغة الإنجليزيّة، أو السّيّدة ذات الشّعر الأشقر المنفوش التي تركت منزلها في فلوريدا لتقيم في مبنى سكني كبير في العراق لتكون درعاً بشرياً تحميه من الصواريخ الأمريكيّة في الحرب الأولى على العراق.

عودة للكتاب الذي ذكرته من قليل و كيف أنّه أثّر على نظرتي لتاريخ الهنود الحمر وارتباط قضية فلسطين بها، فأصبح السّؤال الصعب هنا، هل ما قاله لي رجل الكنيسة صحيح؟ هل سبب عدم تعاطف الكثير من الأمريكان مع القضيّة الفلسطينيّة نابع من عدم رغبتهم الاعتراف بما فعلوه مع السّكان الأصلييّن؟

لقد ظلّ كلام القسّ ملازماً لي لسنوات عدّة، وبدأت البحث عن الإجابة عند آلاف التّلاميذ، كباراً وصغاراً، الذين درّستهم وتعاملت معهم على مرّ السّنين وربّما يتفاجأ القاريء العربيّ عندما أقول له أنّ معظم النّاس الذين يؤيدون اسرائيل على حساب الشّعب الفلسطينيّ لا يدرون لما يؤيّدون اسرائيل!!!

نعم، فمعظم من قابلت لا يدرون ما هو السّبب الرّئيسي لتأييدهم لاسرائيل! وتجد أن غالبيّة الأمريكان الذين درّستهم لديهم انطباع إيجابيّ في مخيّلتهم عن اسرائيل ومعظمهم لا يدركون من أين جاء هذا الانطباع ولكننّي أؤكد أنّ السّبب وراءه هو الدّهاء الإعلاميّ لدولة اسرائيل ومؤيديها في أمريكا. أمّا الانطباع السّائد فهو يتلّخص بأنّ اسرائيل دولة صغيرة حوّلت الصّحراء ( الصحراء مرتبطة بالذهن الأمريكيّ بالتخلّف) إلى أرض خضراء وأنّها أخلاقيّة ومتطوّرة وغربية التّفكير وديمقراطيّة ومحاطة بأعداء عرب يريدون القضاء عليها.

وهناك من يقول أنّه مؤيد لاسرائيل لأنّها حليفة الولايات المتّحدة ولكن ليس بالضرورة يدري أنّها حليفة. أمّا غالبيّة الأمريكان فهم لا يعرفون أنّ الأرض المحتلّه كانت مأهولة بالسّكان من قبل أن تصبح دولة اسرائيل، وأنّ اسرائيل تحتلّ حاليّاً القدس وغزّة والضّفة الغربيّة والجولان، والبعض الآخر لا يعلم أنّ حكومته تدفع لها المليارات كلّ عام، وآخرون لا يعرفون أنّ هناك شعب أصليّ محتلّ اسمه الشّعب الفلسطينيّ، أمّا من سمع بالفلسطينيّ فحدّث ولا حرج  عن صفاته الشّبيهة بالصّفات السّلبيّة للهنديّ الأحمر إن لم تكن أسوأ. وقد تعرّضت لوجهة النّظر الأمريكيّة هذه قبل انتقالي للحياة في أمريكا بعدّة سنوات عندما كنت أعمل في التّلفزيون الأردنيّ الذي رشّحني للفوز بالمنحة السّنويّة التي تقدّمها السّفارات الأمريكيّة في جميع أنحاء العالم لزيارة مراكزها الإعلاميّة.

أمضيت مع ثلاثة عشر إعلاميّاً من دول مختلفة من ضمنها لبنان ومصر و السّعودية والسّودان واسرائيل ثلاثة أسابيع زرنا فيها عدّة ولايات ومحطّات تلفزة وإذاعة، وكان من ضمن البرنامج دعوات عشاء في منازل عائلات أمريكيّة للتّعرف إليهم عن قرب، وصادف أنّني ذهبت ومدير تلفزيون نيودلهي وهو من السّيخ ويرتدي عمامتهم المشهورة لتغطّي شعره الطّويل لمنزل مدير شركة الحديد والصّلب في ولاية بنسلفانيا. وقامت زوجته اللّطيفة جداً بمهمّة اصطحابنا من الفندق لمنزلهم البعيد نسبيّاً عن جوّ المدينة الصّاخب وسرعان ما استقبلنا زوجها الطّويل جداً بسؤال المدير الهنديّ عن عمامته فذكر له أنّها جزء من تعاليم دينه، والتفت لي الزّوج وسألني أأنتِ سيخ مثله؟ فأجبته أنّني مسلمة فقال لي ولكن لا يبدو لي أنّك مسلمة فأنت لا تلبسين الشّادور. فقلت له أنّني عربيّة ولست إيرانيّة، فقال لي وهل هناك فرق؟ فقلت له نعم أنا عربيّة لأنّني أتحدّث العربيّة وهم من إيران ويتحدّثون الفارسيّة.

ثم انتقلنا إلى مائدة العشاء الدّائريّة في المطبخ وكان اختراع المايكرويف المنزلي صرعة جديدة في أمريكا وكانت الزّوجة الرقيقة اللّطيفة التي لم تتحدّث كثيراً تطبخ لكلّ منّا طبقه على حدة، وكانت كميّة الطّعام محدودة جداً على غير العادات العربيّة والهنديّة وكانت تطلب منّا أن نأكل ولكن لم يكن هناك شيء نأكله غير بضعة أوراق خضراء، أطلقت عليها اسم سلطة. وحاول زوجها الجاهل الذي يرأس شركة عالميّة وميزانيتها بالملايين أن يكون أكثر حميميّة فسأل المدير الهندي عن الهند ومشاكل الفقر ثم التفت إليّ وسألني أين ولدت فقلت له في الكويت. فقال لي إذاً أنت كويتيّة، فقلت له لا، أنا أصلاً فلسطينيّة، وما كدت أكمل جملتي حتّى بدا لي أنّ مسّاً من الجنون أصابه فجأة وبدأت أرى شرايين رقبته تحمرّ وتتنفخ فقلت لا بد أنّ عنده حالة صرع ولكنّه وجّه لي سؤالاً لم ينتظر إجابتي عليه وقال لي أتدرين من أنت؟ أنت من شعب ذو حضارة منحطّة لا تنتمي للإنسانيّة، ولعلّه اعتقد أنّني لن أفهم قصده فقام بوضع يده فوق مستوى الأرض بقليل وقال أنت هنا!!

Leave a Comment

Previous post:

Next post:

Copyright 2010 ©