كيرت والوجه الآخر من أمريكا

by samar on April 21, 2012

تعرّفت على كيرت من خلال إعلان وجدته في جريدة الجامعة المخصصّة للطّلبة، كنت أبحث وقتها عن مدقّق للّغة يمكنه أن يساعدني في تنقيح بحثٍ  كنت قد قدّمته لأستاذي خلال دراستي للماجستير وقد أنقص أستاذي درجتي بسبب وجود غلطات إنشائيّة عديدة في البحث. اغتظت كثيراً منه لأنّه لم يُنقص درجات بسبب قصور في البحث أو الأفكار بل بسبب هذه الغلطات الإنشائيّة. حاولت أن أعترض وطلبت من الأستاذ أن يعيد النّظر في علامتي، لكنّه قال لي: ابحثي عن مدقّق للّغة وأعيدي تقديمه لي مرّة أخرى عندها سأرى ما يمكنني فِعله. بدأتُ بعملية البحث عن مدقّق فوجدت إعلاناً صغيراً جداً في جريدة الجامعة الأسبوعيّة لمُحرر يدعى كيرت ويسكن قريباً من الجامعة. كلّمت كيرت وبدأت أشرح له كيف أنّ اللّغة الإنجليزيّة هي لغتي الثانية وأننّي أتحدّثها أفضل ممّا أستطيع أن أكتبها، أجابني كيرت أنّ بإمكانه استقبالي في منزله غداً السّاعة الثّامنة مساءً.

في منزلك؟! ألا يوجد لديك مكتب؟

لا، قال كيرت، أنا أعمل من المنزل، هل لديك مشكلة في الوصول إلى هنا؟ هل تملكين سيّارة؟

أردت أن أقول له أنّ المشكلة ليست في السّيارة بل في فكرة أن أذهب إلى منزله لوحدي السّاعة الثّامنة مساءً، لم أقل له هذا بالطبع!

كنّا في شهر فبراير في فصل الشّتاء، حيث تكون الدّنيا قد أعتمت مبكراً. كنت أمضي ليلتين في الأسبوع في مدينة تامبا، في منزل أخي عمر، وهذا من حسن حظّي طبعاً لأنّ المسافة بين منزلي والجامعة كانت بعيدة للغاية ولم أكن أحبّ أن أقود السّيارة لوحدي على الطريق السريع في عتمة اللّيل.

احترت كثيراً فيما أفعل وخاصّة أن ّأخي عمر لم يكن يستطيع أن يأتي معي في هذا الموعد، بالإضافة إلى أنني لم أرغب أن أظهر أمام كيرت أننّي خائفة منه. من حسن حظّي وقتها أن وصلت ابنة خالتي سهى من لبنان لزيارتي، فأخذتها معي لنتعرّف على كيرت. كان باب الشّقة الأرضيّة مفتوحاً، قرعت الجرس فإذا بصوتٍ من الدّاخل يطلب منّي الدّخول. أوّل شيء أزعجني هو وجود قطط شديدة الفضول والدّلع تروم في أرجاء المنزل، وما أن عبرنا عتبة الباب حتى بدأت القطط بالتمطّي على أرجلنا فقلت في قرارة نفسي أنّني لن أعطيه بحثي وسأحاول أن أتهرّب منه، خاصّة وأننّي وجدت كيرت سميناً بطريقة غير اعتياديّة ولم يكلّف نفسه بالوقوف لاستقبالنا حتّى.

كان أوّل ما سألني عنه كيرت هو لغتي الأصليّة فجاوبته، وأنا متأكّدة من أنّه لا يعرف ما هي اللّغة العربيّة، أنّ لغتي الأم هي اللغة العربيّة. سألني بعدها من أيّ بلدٍ عربي أنا، وهذا هو السؤال الأصعب عليّ في أمريكا، حيث تتغيّر الإجابة عليه حسب الزّمن المُتاح أمامي للشّرح. فعامّة الشّعب الأمريكي لا يعرف الكثير عن العالم الخارجي وليس لديه معلوماتٍ جغرافيّة عن مواقع الدول. فإذا قلت أنني فلسطينيّة فهذا يعني حديثاً مطولاً بحاجة لشرح مفصّل من أننّي لا أقصد باكستان بل بالستاين أو فلسطين، ثم أشرح أين تقع فلسطين، ثم بعد أن أجد أنّ الذي أمامي لا يعرف ماذا أقصد بفلسطين أحاول أن أختصر الموضوع وأسأل هل تعرف إسرائيل؟

نعم، عادة ما تكون هي الإجابة! لحظتها أقول أنا الشّعب الآخر الفلسطيني المحتلّ الذي كان يعيش في الأرض قبل أن تصبح إسرائيل، بعدها، أترك هذا الجواب للحظّ والظّروف فإمّا أن يفهم الذي أمامي ما قلته أو أستخدم الإجابات الأخرى المتاحة أمامي مثل أن أقول أنا عربيّة.

أمّا إذا كان لديّ وقتاً أقلّ، فعادة ما أذكر أننّي من الأردن أو جوردان، ولحظتها سيقول لي السّائل ولاية جورجيا؟ أفضل حل للخروج من هذه الورطة عنئذٍ تكون عادةً بذكر اسم ملكة الأردن آنذاك، الملكة نور. أمّا إذا كان الوقت أمامي ضيّقا فإنّ أضمن شيء هو أن أقول أنّني من مصر بلد الأهرامات، وهي آمن وأضمن الإجابات، لأنّ كل أمريكي درس في المرحلة الابتدائيّة عن الأهرامات ويعرف أنّ لها علاقة بالصّحراء وأنّ الصّحراء لها علاقة بالعرب والشّرق الأوسط.

قررت أن أقول لكيرت أنّني فلسطينيّة الأصل ولكننّي مولودة في الكويت وأحمل الجنسيّة الأردنيّة وأتركه في حيرته.  فتح كيرت حديثاً سياسيّاً مطولاً اكتشفت من خلاله أنّه يعرف أشياءً عن تاريخ فلسطين لا أعرفها أنا. عندها، قررت أن أغامر وأن أترك بحثي معه وأن أعود لأستلمه بعد بضعة أيام، وتحججت له أنّني يجب أن آتي لاستلامه صباحاً قبل مغادرتي تامبا عائدة لمدينتي.

قرّر الأستاذ تعديل درجة البحث وأصبح كيرت هو مصحّح كلّ أوراقي وبحوثي وخاصّة رسالة الماجستير.

كنت دائماً أحاول أن أكتب بحوثي من منطلقٍ عربيٍّ أو مُسلمٍ مهما كانت المادّة التي أدرُسها. فمثلاً كتبت عن البنوك الإسلامية في بحثي في مادة الاقتصاد العالمي، وكتبت بحثاً، في مادّة أخرى عن نظريات العلاقات الدوليّة، يقارن بين نظرية الواقعيّة في كتاب أبو النظرية الحديث، هانز مورغنثاو، والقرآن وكيف أنّ بعض بنود هذه النظرية مخالفة للقرآن. كان كيرت يذكر لي من وقت لآخر أنّني يجب أن أُلخّص بعض هذه الأبحاث وأن أسعى لنشرها في مجلات دوريّة متخصصّة. كنت أتجاهل ما يقوله كيرت وأعتقد أنّه يقول لي هذا حتّى يحصل على المزيد من العمل مني كي يحصل بالتالي على المزيد من الأتعاب التي كانت مرتفعة السّعر.

دائماً ما كنت أستغرب من اطّلاع كيرت الواسع و معرفته بالكثير من المواضيع التي كنت أكتب عنها، على عكس بعض أساتذتي الحاصلين على درجات الدكتوراة. قال لي كيرت يوم أن سألته عن سبب معرفته الواسعة، دبل يو إم إن إف WMNF!

قلت له ماذا؟

سألني: أنت لا تستمعين لمحطة الإذاعة المحليّة هنا في تامبا عندما تكونين على الطريق السريع؟

فقلت له أنّ هناك محطات موسيقى عديدة ولكن لا أحد منها يتحدّث في السّياسة لتجعلك بهذا الاطّلاع!

 اكتفى كيرت حينها بأن قال لي: استمعي لنشرتهم المطولّة هذا المساء وقولي لي رأيك!

واستمعت، واستمعت، واستمعت…

فتح كيرت صفحة جديدة في حياتي في أمريكا لا تمتّ بصلة للحياة التي كنت أحياها قبل، ولا أبالغ إذا ذكرت أنّه غيّر مجرى حياتي ولكنّي لن أكتشف هذا إلاّ بعد سنواتٍ لاحقة. كان هذا في عام 1997 وكنت قد أمضيت سبع سنوات أشاهد الأخبار يومياً عبر عدّة محطاتٍ أمريكيّة وخاصّة محطّة سي إن إن. كنت أعتقد خاطئة أنّني أصبحت أفهم داخليات أمريكا أكثر بسبب شدّة متابعتي للأخبار، وأنّ الإعلام الأمريكيّ إعلام حرّ ومفتوح ويعبّرعن جميع فئات الشّعب وأطيافه الفكريّة والسياسيّة والثقافيّة، وأنّ أيّ تحيّز موجود هو غالباً تحيّز ضد قضية فلسطين وربما تحيّز ضدّ العرب والإسلام. وإنّ سبب هذا التحيز هو سيطرة اليهود على الإعلام الأمريكي كما قيل لنا مراراّ في بلادنا العربية. كنت دائماً ما أردّد نفس الأسطوانة بلا أدنى تفكير أو علم بالحقيقة.

لم أكن أدرك أنّ الإعلام الأمريكي متحيّز ضد فئات من الشّعب الأمريكي نفسه، وأنّ هناك أمريكا أخرى موجودة ولكنّها إمّا خارج الرادار الإعلامي وإمّا أنّها تُعرَض على المشاهد بطريقة مضلّلة. بدأت أستمع لنشرات الأخبار والبرامج في محطّة الرّاديو التي دلّني عليها كيرت، وسأذكر هنا بعض الأخبار التي تنقلها المحطّة وأقارن ما بين هذه الأخبار والأخبار في الإعلام التّقليدي، وكيف تغطّي نفس هذه المواضيع والأحداث لنفهم لأي درجة يُعتبر  الإعلام الأمريكي مضلّلاً ومُسخّفاً للعقول.

فمثلا أذكر تقريراً مميّزاً عن سيّدة أمريكية كانت من الناشطات في معارضي عقوبة الإعدام وحصل أن تعرّضت لحادثة اغتصاب من قبل رجل من أصول إفريقية، أي أنّه داكن البشرة. روت هذه السّيدة كيف أنّها حاولت أن تستطعف الرجل وأن تُشعره بإنسانيتها وأن يُبقيها على قيد الحياة، وهذا ما فعله الجاني. ثم تحدّثت عن الصّعوبات والمضايقات التي تعرّضت لها من قبل المحققّين وكيف أنّ رسومهم للمعتدي كانت تبالغ في إظهار ملامحه السّوداء فيزيدوا تخانة الشفتين وتوسيع فُتحتي الأنف وتكبير الأنف ذاته على عكس المعلومات التي كانت تقدّمها للشرطة المسؤولة عن رسم اسكتشات المتهمين. وكانت هذه السيدة معترضة على الأسلوب العنصري الذي تعاملت به الشرطة مع حادثة اغتصابها.

هكذا كان فحوى التقرير على الراديو، أمّا على التلفاز، فلم يأتي أي ذكر لسوء معاملة المحققين لضحية حادثة الاغتصاب، وكان كل ما ركّز عليه التّقرير هو أنّ المعتدي من أصول أفريقية. وألمَحت الضّحية في مقابلتها الإذاعية أنّ التقرير التلفزيوني كان مجحفاً وركّز بشدّة على الأصل العرقي للمغتصب، كما أنّها تفاجأُت أيضاً أنّ التلفاز قرّر عرض التّقرير الذي صوّروه منذ فترة في نفس الوقت الذي انتهت فيه محاكمة أوجيه سيمبسون، لاعب الكرة من أصول إفريقيّة، والذي اتُّهم بقتل زوجته الشّقراء ونادل أبيض، وحُكم عليه بالبراءة. وتسألت ضحية الاغتصاب في مقابلتها الإذاعية عن التّوقيت الذي قرّر فيه التلفاز إذاعة قصّتها، لماذا اختاروا نفس اليوم الذي أعلن فيه المحلّفين أنّ أوجيه بريء؟

وأجابت الضّحية أنّ السّبب واضح، يريد التلفاز أن يُذكّر المشاهدين أنّ السّود هم من يرتكبون أكثر الجرائم حتّى لو أثبتت المحاكمة براءة واحد منهم. هذه قصّة لا تتعلّق بالعرب أو بالمسلمين أو بقضية فلسطين، وها هي تعرض على المشاهد بطريقتين مختلفتين تماماً بحيث تترك المشاهد بانطباعين مختلفين وذلك يعتمد على ما إذا كنت تتفرج على التلفاز أو كنت تسمع القصة على الرّاديو الذي سأسميه طوال هذا الفصل، بالإعلام البديل.

ويتميز الإعلام البديل بعرض تقارير إخباريّة مختلفة موضوعاً عمّا يَعرضه الإعلام التقليدي، كما أنّ هناك شرح أعمق وأوسع لمواضيع مختلفة مثل تقارير تُثبت امتلاء السّجون، خلال الفترة التي شنّت فيها السّلطات الأمريكية ما يسمّى بالحرب على المخدرات، بشباب صغار السن غالبيتهم العظمى من أصول إفريقيّة. وبالرغم من أنّ نفس الخبر والأرقام والإحصائيات ستُذكرعلى التلفاز، إلاّ أنك ستشعر بطريقة غير مباشرة، وبسبب إغفال بعض الحقائق، أو استخدام بعض الألفاظ، من أنّ سبب امتلاء السّجون بالسّود له دخلٌ ما بأصلهم العرقي. في حين أنّ الإعلام البديل يتطرق للظروف التي تجعل الشّاب الأسود أكثر عُرضة لاستخدام المخدرات والدّخول إلى السجن، فيعطيك أرقام وإحصائيات تثبت عدم إعطاء السّود فرص عمل مماثلة للبيض، وسوء التعليم والمدارس في مناطق تجمعات السود السكنية، وتحيّز بعض الشرطة والقضاة ضدّهم، وحتى اتّهام بعض الأجهزة بترويج المخدرات بين السود، هذه كلّها مواضيع نادراً ما تُناقش في الإعلام التقليدي. فإذا كنت تستمع وتأخذ معلوماتك من المصادر التقليدية، ستجد نفسك لا شعورياً تشارك البعض من الأمريكان في رأيهم العنصري ضدّ السّود.

تناقش التقارير في محطّة الراديو التي دلّني عليها كيرت مواضيع لم أشاهدها على شاشات التّلفزة من قبل أو أنّني استمعت إليها على الراديو عدّة سنوات قبل أن أشاهدها في الإعلام التقليدي، مثل آثار حرب العراق الأولى على صحة الجنود بسبب تعرضهم لذرّات اليورانيوم المخصّب ومحاولات الحكومة إخفاء هذه الحقيقة، قصص إخباريّة عن تعدّي بعض شركات البترول العالمية على البيئة و تلويثها وفي بعض الأحيان تورطها في قتل ناشطي بيئة في إفريقيا، تعرّض العديد من السجينات للاغتصاب والتحرشات الجنسيّة ومحاولة التحالف المسيحيّ أن يخترق صفوف المدارس عبر الأهالي والمجالس المحليّة من أجل التأثير الدّيني على الطلبة وهو أمرٌ يحرّمه الدستور. بالإضافة إلى دور القس مون، المليونير غير الأمريكي، الذي كان يدعم الصّحف اليمينية المعادية للحزب الديمقراطي والرئيس الأمريكي آنذاك، بيل كلينتون، في وقت كان فيه الإعلام التّقليدي يشنّ هجمة شرسة ضدّ الرئيس كلينتون وذلك بسبب احتمالية وجود علاقات بين الحزب الديمقراطي وأغنياء غير أمريكان. تذكر التقارير في الإعلام البديل أيضاً أمثلة واقعيّة عن اتّساع الهوّة بين الأغنياء والفقراء والتّزايد الكبير في عدد المشرّدين الذين لا مأوى لهم إلاّ غابات الشّجر وأسفل الجسور هذا عدا عن كثرة عدد المواطنين الذين يعجزون عن شراء التأمين الصّحي الباهظ الثمن.

 وأؤكد أنّ بعض هذه المواضيع يتم طرحها في الإعلام التقليدي ولكن الطّرح يضع، في أغلبه، باللائمة على الأفراد وليس على النّظام الرّأسمالي، وكأنّ الفقراء كسالى ولا يريدون أن يعملوا حتى لو فُتحت أمامهم مجالات العمل. كما أنّه يتّهم الحكومة بالعجز والتّقصير في أداء مهامها لأنّها حكومة كبيرة وبها بيروقراطية وأنّه من الأفضل خصخصة هذه الخدمات ومنحها لشركات ربحيّة خاصّة أكثر مهارة في الإدارة.

لعلّ ما سيصدم البعض هو أنّ الإعلام التقليدي كان آنذاك متحيزاً نوعاً ما ضدّ المرأة، أولاً في قلّة وجود العنصر النسائي كعاملات في مجال الإعلام وتقلّد المناصب الكبرى، وخاصّة أمام الكاميرا. ثمّ بعدم تغطية نجاحات المرأة العاملة أو الباحثة أو المخترعة إلاّ قليلاً، والتّركيز في القصص الإخبارية على الفتيات اللواتي يُنجبن الأولاد بلا زواج واعتمادهنّ على المعونات الحكومية، كلّ ذلك من دون إلقاء أي لائمة على الرجل المشارك في حمل المرأة أو الفتاة وكأنّها مشكلتها هي وحدها ولا لائمة أو مسؤوليّة تقع على الرجل!

بالطّبع، فإنّ حظّ المرأة السوداء أو المرأة من أمريكا اللاتينيّة في التّغطية أسوأ، فغالباً ما يكون الخبر   عن تلك الفئتين من السّيدات له علاقة بجريمة قتل أو مخدّرات، ويصوّر الإعلام هؤلاء السّيدات بأنّهنّ سمينات جداً، ركيكات اللغة وقليلات الثقافة وأنّهنّ دائماً ما يعشن عالة على المعونة الحكوميّة الشّهريّة.

ومن كثرة مشاهدة هذه القصص ولأنّ الأخبار لا تغطّي نجاحات المرأة بكثرة، يتوّلد لدى المشاهد انطباع أنّ معظم السّيدات السّود واللواتي من أصول إسبانيّة هن مثل رجالهن كسالى وينجبون بكثرة. أمّا المرأة العربيّة أو المسلمة فهي غير موجودة أصلاً على شريط الأخبار وإن ظهرت فهي دائماً متّشحة بالسّواد وغالباً ما تكون هذه الصّور الإخباريّة قادمة من إيران حيث أنّ معظم الناس يعتقدون أنّ إيران دولة عربيّة.

أمّا السّيدة العربيّة الوحيدة التي كانت تظهر في النّشرات والبرامج الإخباريّة فكانت حنان عشراوي وكان يستضيفها المذيع تد كويل في برنامجه اللّيلي (nightline) الذي كان من أكثر البرامج شهرة في تسعينيّات القرن الماضي. كان البرنامج يقسم الشاشة إلى نصفين وتشارك عشراوي بنجامين نتنياهو  في التّحدث عن مباحثات أوسلو. كانت لغتها الإنجليزيّة ومهارتها بالرّد على العدائي نتنياهو مثار إعجاب الملايين من الشّعب الأمريكي ولم أكن أذهب إلى مكان أو فصل دراسيّ دون أن أُسأل عنها. يبدو أنّ شعبيتها هذه أدّت إلى غيرة البعض في القيادة الفلسطينيّة فاختفت تقريباً من الشّاشات الأمريكيّة.

أمّا أكثر ما كان يرعبني أوّل ما انتقلت إلى فلوريدا وحتّى لعدّة سنوات مضت، هو الهوس الإعلامي بالجرائم والتّغطية الشّاملة الدّقيقة لكلّ جريمة مهما كانت تافهة أو بشعة، حيث تبدأ النّشرة المحلية في كل مدينة بالجريمة التي حدثت في تلك المنطقة التي تسكنها، وإذا لم تقع جريمة في بلدتك في هذا اليوم، سيُغطّون خبر جريمة وقعت في البلدة المجاورة أو الولاية التي تسكن فيها أو الولاية المجاورة لها ممّا يجعلك تعتقد أنّ الجرائم متفشيّة يومياً في كلّ مكانٍ حولك.

ومن المثير للاستغراب هو أنّ لون أو عِرق المجرم يُذكر عندما يكون المجرم من أصول إفريقيّة أو لاتينيّة فقط. حيث يكون الخبر هكذا: قَتل فتىً من أصل إفريقي سيّدة طاعنة في السّن، ويكون الخبر لمجرمٍ أبيض هكذا: قتل فتىً سيّدة طاعنة في السن. كنت أصاب بالرّعب عندما أستمع لنشرة الأخبار المحليّة ليلاّ وخاصّة أنّ زوجي كان يأتي متأخراً من عمله ولطالما وجد بجواري سكّين وهاتف المنزل وذلك تحسباً لأيّ خطر، بالرّغم من أنّني أعتبر نفسي قويّة ولست ضعيفة، لكنّ تفاصيل تقطيع أعضاء جسم الضّحية كان أكثر ما يرعبني. كما أننّي اكتشفت أنّه وبسبب كثرة ترديد لون وعرق المجرم توَلّد لدي نفس الانطباع الخاطيء وهو أنّ معظم المجرمين هم من داكني البشرة. ووجدت نفسي لا شعورياّ أتوجّس الخطر عندما أقترب من شابٍّ أو رجلٍ أسود وكنت أرمق من يقود سيّارته والموسيقى تصدح منها بازدراءٍ وكراهية، وكنت أعتقد في قرارة نفسي أنّ السّود لديهم مشكلة أخلاقيّة ما. ولم أفكّر بأنّ طريقة تفكيري بها الكثير من العنصرية والتعجرف و الغرور!

هذا ولم ينصلح حالي وتترقّ أخلاقي وينظف قلبي ويصحو ضميري إلاّ بعد مرور عدّة أشهر من الاستماع لمحطّة الرّاديو، حيث تجري البرامج مقابلات مع العديد من السّود الأمريكان من الكتّاب والسّياسين والمناضلين من أجل كسب حقوق أكثر. وبالتّالي وسّعتُ من قرآتي لتشمل كتباً وقصصاً ورواياتٍ كتبها أمريكان سُود عن معاناتهم كعبيدٍ ثم كأحرارٍ بلا حقوق. وسنرى فيما بعد أنّ نفس طريقة التّغطية هذه ستستخدم مع كلّ جريمة يقوم بها مسلم داخل أو خارج أمريكا. بالرّغم من أنّه في حالة المجرم الأسود أو الأبيض لا يذكر الإعلام أبداً ديانة المجرم. وسوف يكون هناك تركيز وتغطية مكثّفة لكلّ جريمة لها علاقة بمسلم وستُسمى كلّ جريمة يقوم بها مسلم على أنّها جريمة إرهابيّة أو أنّ لها علاقة بدين هذا الشّخص، وسينطبع وينغرس في ذهن المشاهد للإعلام التقليدي أنّ كلّ إرهابيّ مسلم، وبالتّالي لابدّ أنّ هناك شيئاً ما في الدّين الإسلاميّ يحرّض على الإرهاب والعنف، وكأنّ المسلمين في جميع أنحاء العالم اكتشفوا الإسلام والقرآن منذ بضعة سنوات فقط وقرّروا أن يطبّقوه ويكونوا إرهابيين.

أمّا الخبر الثاني في النشرة المحليّة فهو إمّا عن حادث السّير المثير الذي وقع في البلدة أو المدينة المجاورة أو الولاية أو عن خبرٍ رياضيٍ مهمّ. هذا ويصعب أيضاً أن تخلو النشرة من خبرٍ له علاقة بالحيوان، فإذا تمّ إنقاذ قطّة عالقة على عامود الكهرباء، أخذت هذه القصة حيّزاً كبيراً من النشرة، أمّا إذا ضرب جارُك كلبَك فعندها ستكون قضية كبيرة وستحصل على تغطية واسعة أكثر من خبرٍ له علاقة باغتيال رئيس دولة مثلاً! وأذكر هذا تماماً لأنني أتذكّر كيف عندما اغتيل رئيس وزراء الهند الأسبق، راجيف غاندي، من قبل امرأة فجّرت نفسها بقربه خلال جولته الانتخابية، كلّمتني والدتي حينها من الأردن لتواسيني وذلك لأنّها تعرف أنّني سأتأثّر من موته حيث أنّني أجريت معه مقابلة تلفزيونية، كما أنّني قابلت زوجته أيضاً وذكرت وقتها لجميع الناس كيف أنّه بهرني بتواضعه الجمّ ولطافته ووسامته. هرعت لأشاهد النشرة المحليّة لأجد خبر القطّة على عامود الكهرباء يتصدّر النشرة المحليّة، فانتظرت النشرة الثانية لتنقل في أقل من نصف دقيقة خبر الاغتيال دون شرح لأبعاد الاغتيال أو لماذا اغتيل أو أيّ تفاصيل تحليلية أخرى وكأنّ الموضوع برمّته غير مهم. إذا اكتفى المواطن بسماع الأخبار من النشرة المحلية، فسيعتقد أنّه لم يكن هناك أيّ أخبار مهمة هذا اليوم إلاّ الجريمة والحادثة والخبر الرياضيّ والقطّة التي تم إنقاذها وربّما خبر جوّي عن فيضان أو زلزال أو عاصفة في طريقها للمدينة.

وهنا مربط الفرس للسّؤال الذي طالما يسألني إيّاه العرب، لما لا يعرف الكثير من الشّعب الأمريكيّ أخبار العالم؟ لا يمكن هنا أن نتّهم سطحية النشرة المحلية بأنّها السّبب الوحيد في ذلك و لكنّها تُعتبر من أحد المسببّات لهذا وخاصّة أنّ الجريدة المحليّة لكل بلدة ليست أفضلُ حالاً من التلفاز. بالطبع هناك أسباباً أخرى كمناهج التّعليم التّي تهتم بالعلوم والرياضيات على حساب التّاريخ والجغرافيا. لكننّي سأركّز هنا على الإعلام التّقليدي، ولحسن الحظّ أنّ العديد من الأمريكان لا يكتفون بمشاهدة النّشرة المحلّية فقط. فهناك نشرات مسائيّة و يوميّة غير محليّة وأخبارها تتعلّق بأمريكا كدولة وليست كمدينة أو ولاية مثل حال النّشرات المحليّة، ثم تتخللّها أخبار عالميّة وعادةً ما تكون هذه النّشرات في السّاعة السّادسة و النّصف مساءً. هذه النّشرات المحليّة تأتي عبر المحطّات الأكثر شهرة والأقدم مثل إي بي سي، و سي بي إس، وإن بي سي (ABC, CBS, NBC) والثّلاث محطّات في تنافس دائمٍ ومنذ عهود طويلة لكسب أكبر عدد من المشاهدين لأنّ هذا يُعني عدداً أكبرَ من الرّبح عبر الدّعايات. وتعدّ النّشرة المسائيّة من أهمّ البرامج اليوميّة حيث أنّها تدرّ ربحاً ماديّاً جيّداً كما أنّها كانت النّشرة الإخباريّة الوحيدة المتوفرة يومياً قبل أن تبدأ فكرة البثّ الإخباري المتواصل على مدى أربعٍ وعشرين ساعة.

يتقاضى مذيعو هذه النّشرات مبالغاً خياليّة، فهم يعدّون  بمثابة نجوم السّينما، حيث تتابع المجلاّت أخبار زواجهم وطلاقهم وإجازاتهم وملابسهم. يكون المذيعون عادةً من الرّجال إلاّ فيما ندر، حيث بدأنا مؤخّراً فقط رؤية وجوهاً نسائيةً. يوحي أولئك المذيعون بالثّقة والمعرفة والجدّية وعادةً ما يكونون شديدي الجاذبية، يرتدون ملابس رسمية وأنيقة، بدلات للرجال، أمّا السيّدات، فلا يوجد أيّ تبرج مبالغاً فيه ولاعري على الإطلاق، هذا إن لم يكونوا أكثر ميلاً للتّحفظ في ملابسهم. وإذا كان المذيع جاهلاً بالتّاريخ أو السّياسة الدّولية فهو أمرٌ لا يهمّ كثيراً لأنّه في النّهاية تنجم عليه مهمّة واحدة وهو أن يوحي بالثقة بحيث تثق كمشاهد بما يقرأه من أخبار وما ينقل لك من أحداث جرت اليوم، يبدأ المذيع عادة نشرته بتذكير المشاهد أنّه يستعرض لك اللّيلة كلّ أحداث العالم. وبهذا يثق كثير من الناس بالأخبار التي يذيعها هؤلاء النّجوم ولا يفكّر المشاهد كثيراً في صحتّها أو إذا ما كانت هناك أخباراً أخرى مهمّة كان يجب عليه أن يراها تلك الليلة.

تتخلّل هذه النّشرة المسائيّة عدّة استراحات إعلانية، وهنا تكمن أهميّتها ، ففحوى النّشرة لا يهمّ كثيراً، ما هو مهمّ هو إيجاد طريقة لجذب المشاهد للاستماع للنشرة لفترة وجيزة دون أن يقلب المحطّة ويخسروه كمشاهد لفترة الإعلانات المربحة ماديّاً لمحطّة التلفاز. وهكذا تحتوي النشرة على أخبارٍ متفرقة لكن دون أيّ عمق تحليليّ لهذه الأخبار، لأنّ الدّقائق المخصصّة لأيّ خبر عادةً ما تكون معدودة، فكيف ممكن شرح أبعاد خبر له علاقة ببناء مزيد من المساكن في القدس، وخاصّة أنّ المذيع لن يذكر كلمة المحتلّة، في أقلّ من دقيقة؟!

لذلك، سيفهم المشاهد أنّ بلدية القدس في دولة اسرائيل تحتاج لبناء مزيد من الشّقق في المدينة وأنّ العرب كعادتهم، معترضون! وإذا لم يكن للمشاهد أيّ خلفيّة عن قضيّة فلسطين، فسينتهي بنتيجة واحدة، أنّ العرب دائماً يعترضون.

أمّا الدّعايات، فمعظمها لها علاقة بشراء أدوية تُحسّن من حياة الإنسان وتزيد في عُمره. فهناك دواء سيخفّف من ……..

Leave a Comment

Previous post:

Next post:

Copyright 2010 ©